عبد الملك الثعالبي النيسابوري
26
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين ، وأشعار المحدثين [ ألطف من أشعار المتقدمين ، وأشعار المولدين أبدع من أشعار المحدثين ] ، وكانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن ، وأنظم للطائف البدائع من أشعار سائر المذكورين ؛ لانتهائها إلى أبعد غايات الحسن ، وبلوغها أقصى نهايات الجودة والظرف ، تكاد تخرج من باب الإعجاب إلى الإعجاز ، ومن حد الشعر إلى السحر ، فكأن الزمان ادخر لنا من نتائج خواطرهم ، وثمرات قرائحهم ، وأبكار أفكارهم أتم الألفاظ والمعاني استيفاء لأقسام البراعة ، وأوفرها نصيبا من كمال الصنعة ، ورونق الطلاوة . وكذاك قد ساد النبي محمد * كل الأنام وكان آخر مرسل « 1 » وقد سبق مؤلفو الكتب إلى ترتيب المتقدمين من الشعراء ، وذكر طبقاتهم ودرجاتهم ، وتدوين كلماتهم ، والانتخاب من قصائدهم ومقطوعاتهم ، فكم من كتاب فاخر عملوه ، وعقد باهر نظموه ، لا يشينه الآن إلا نبو العين من إخلاق جدته ، وبلى بردته ، ومج السمع لمردداته ، وملالة القلب من مكرراته . وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة ، ولذة الجدة ، وحلاوة قرب العهد ، وازدياد الجودة على كثرة النقد ، غير محصورة بكتاب يضم نشرها ، وينظم شذرها « 2 » ، ويشد أزرها ، ولا مجموعة في مصنف يقيد شواردها ، ويخلد فوائدها ، وقد كنت تصديت لعمل ذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، والعمر في إقباله ، والشباب بمائه ، فافتتحته باسم بعض الوزراء مجريا إياه مجرى ما يتقرب به أهل الأدب إلى ذوي الأخطار « 3 » والرتب ، ومقيما ثمار الورق ، مقام نثار الورق ، وكتبته في مدة تقصر عن إعطاء الكتاب حقه ، ولا تتسع لتوفية شرطه ،
--> ( 1 ) في م « ولذاك قد ساد » . ( 2 ) ينظم : يجمع . والشذر - بفتح الشين وسكون الذال - المتفرق المتبدد . ( 3 ) الأخطار : جمع خطر - بفتحتين - وأراد به القدر العالي والمنزلة الرفيعة .